عندما تطرح سؤالاً على أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي (artificial intelligence)، يبدو لك الرد كأنه بلا وزن تماماً، مجرد نص بسيط ينساب إليك من سحابة رقمية. غير أن وراء كل أمر نصي (prompt) يقبع حاسوب مادي عملاق يستهلك مقادير هائلة من الكهرباء وترتفع حرارته بشدة. ولمنع تلك الرقائق الحاسوبية من فرط السخونة، تستهلك مراكز البيانات (data centers) ملايين اللترات من المياه العذبة (freshwater).
الحرارة الكامنة خلف الشاشة
تُجري الحواسيب العمليات الحسابية بالاعتماد على التيار الكهربائي، وتتحول هذه الكهرباء مباشرة إلى حرارة. وتضم مراكز البيانات العملاقة آلاف الخوادم المليئة بوحدات معالجة الرسوميات (graphics processing units - GPUs) فائقة الأداء والمعالجات المتخصصة التي تعمل معاً ليل نهار.
وعندما يتحدث ملايين المستخدمين مع الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه، تُولّد رفوف الخوادم حرارة لافحة. وإذا ارتفعت حرارة الرقائق الحاسوبية أكثر من اللازم، فإنها تتباطأ أو تصاب بتلف مادي دائم. وللحفاظ على تشغيل هذه المنشآت بأمان، يتعين على مراكز البيانات التخلص من تلك الحرارة على مدار الساعة.
أبراج التبريد والتبخر
في حين تستخدم الحواسيب الشخصية مراوح صغيرة لطرد الحرارة نحو الغرفة المحيطة، تعتمد مزارع خوادم الذكاء الاصطناعي العملاقة غالباً على أنظمة التبريد التبخيري (evaporative cooling). فالماء يمتص الحرارة وينقلها بكفاءة تفوق الهواء المحيط بمراحل.
وفي أبراج التبريد (cooling towers) التبخيرية، يُضخ الماء الدافئ الذي يسحب الحرارة بعيداً عن رفوف الخوادم إلى برج خارجي، ليُرش في تيار هوائي متحرك. ومع تبخر جزء من هذا الماء ليتحول إلى البخار (steam) الذي يتصاعد في الهواء، فإنه يحمل الطاقة الحرارية بعيداً. غير أن تلك المياه العذبة المتبخرة لا تعود إلى خزان المياه المحلي؛ بل تُستهلك تماماً. فضلاً عن ذلك، تتطلب أنظمة التبريد مياهاً عذبة نقية لأن الرواسب المعدنية في المياه المعالجة أو غير النقية سرعان ما تسد أنابيب التبريد.
قياس استهلاك الماء في كل أمر نصي
في عام 2023، نشر باحثون من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد (University of California, Riverside) وجامعة تكساس في أرلينغتون (University of Texas at Arlington) دراسة (study) بعنوان Making AI Less "Thirsty". وبقيادة الباحثين (researchers) بينغفي لي (Pengfei Li)، وجياني يانغ (Jianyi Yang)، ومحمد إسلام (Mohammad Islam)، وشاولي رين (Shaolei Ren)، قاس الفريق البصمة المائية (water footprint) العذبة الخفية لنماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وقدّر الباحثون أن تدريب نموذج GPT-3 التابع لشركة OpenAI في مراكز بيانات Microsoft داخل الولايات المتحدة أدّى مباشرة إلى تبخير ما يقارب 700,000 لتر (نحو 185,000 جالون) من المياه العذبة النقية، وذلك قبل أن يجيب النموذج عن أي سؤال يطرحه الجمهور.
ولا تقتصر المسألة على التدريب، فالمحادثات اليومية تتراكم أيضاً؛ إذ قدّر الباحثون أن محادثة معتادة تتراوح بين 10 إلى 50 أمراً نصياً متوسط الطول تستهلك قرابة 500 ملليلتر من المياه العذبة، أي ما يعادل زجاجة مياه بلاستيكية قياسية واحدة. ومع أن زجاجة واحدة قد تبدو كمية ضئيلة في حد ذاتها، فإن مليارات الأوامر النصية التي يرسلها المستخدمون شهرياً حول العالم تتراكم لتشكّل طلباً هائلاً على الماء.
نحو ذكاء اصطناعي أقل عطشاً
يشير الباحثون إلى أن استهلاك المياه يتباين بحسب مكان تشغيل مراكز البيانات وتوقيته؛ فتشغيل الخوادم أثناء ساعات الليل الأكثر برودة أو في مناطق ذات مناخ معتدل يقلل من الحاجة إلى التبريد التبخيري. كما تختبر الشركات أنظمة سوائل مغلقة الدورة (closed-loop) تُعيد تدوير سائل التبريد دون تبخيره في الهواء.
وإلى أن تصبح هذه الحلول معياراً معتمداً في هذا القطاع، فإن كل محادثة تجريها مع أحد نماذج الذكاء الاصطناعي تترك وراءها بصمة مادية حقيقية تمس إمدادات المياه العذبة في العالم.
