تخرج في صباح شتوي قارس وشاشة هاتفك الذكي تُظهر شحنًا بنسبة 80%. وبعد دقائق معدودة، تُخرجه من جيبك لتفقد الخريطة أو التقاط صورة، فإذا بمؤشر البطارية يهوي فجأة إلى 1%، أو ينطفئ الهاتف تمامًا.
قد تشعر حينها وكأن الصقيع قد امتص الكهرباء من جهازك في طرفة عين. غير أن الحقيقة العلمية أكثر إثارة للاهتمام: بطارية هاتفك ليست فارغة في الواقع، بل ما تزال شحنتها الكهربائية حبيسة في الداخل.
حركة الأيونات عبر السائل
تعتمد الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب المحمولة الحديثة على بطاريات ليثيوم-أيون القابلة لإعادة الشحن، وهي خلايا طاقة مدمجة تخزن الطاقة الكهربائية وتطلقها عبر تفاعلات كيميائية.
تضم خلية البطارية في داخلها قطبين متقابلين: مهبطًا موجبًا (cathode) ومصعدًا سالبًا (anode). ويفصل بين هذين القطبين سائل أو محلول هلامي موصل للكهرباء يُعرف باسم الكهرل (electrolyte).
وعند تشغيل الهاتف، تهاجر أيونات الليثيوم موجبة الشحنة عبر هذا الكهرل السائل من المصعد السالب نحو المهبط الموجب. وتُحرر هذه الحركة إلكترونات تتدفق عبر دوائر الهاتف الداخلية، لتمد الشاشة والمعالج وهوائيات الاتصال اللاسلكي بالطاقة اللازمة للعمل.
تحول السائل إلى ما يشبه العسل
تخضع التفاعلات الكيميائية مباشرة لتأثير درجة الحرارة؛ فكلما هبطت درجات الحرارة المحيطة مقتربة من نقطة التجمد، تباطأت العمليات الكيميائية والفيزيائية.
وفي الأجواء شديدة البرودة، ترتفع لزوجة الكهرل السائل داخل البطارية وتثقل حركته، حتى يصبح سلوكه شبيهًا بسلوك عسل بارد أو شراب كثيف القوام. ونظرًا لهذه اللزوجة العالية، تعجز أيونات الليثيوم عن السباحة خلاله بالسرعة الكافية لتوليد التيار الكهربائي الذي تتطلبه مكونات الهاتف وعتاده.
ومع الارتفاع الحاد في المقاومة الكهربائية الداخلية، يهوي جهد تشغيل البطارية سريعًا. وتحتوي الهواتف الذكية الحديثة على رقائق دقيقة وحساسة لإدارة الطاقة تراقب الجهد الداخلي باستمرار؛ وحين ترصد الرقاقة هبوط الجهد دون عتبة التشغيل الآمن، تُفعّل إيقافًا تلقائيًا طارئًا لحماية الدوائر الحساسة من الانخفاض المفاجئ في الجهد أو التلف الدائم.
الشحنة لم تتبدد
ورغم انطفاء جهازك وسواد شاشته تمامًا، فإن الطاقة الكيميائية الكامنة في داخله لم تتسرب إطلاقًا إلى الهواء البارد.
فإذا أعدت الهاتف إلى بيئة دافئة في درجة حرارة الغرفة، أو دَفّأته في جيب معطف داخلي ملامس لحرارة جسدك، يستعيد الكهرل البارد سيولته ليعود سائلاً يتدفق بحرية. وبمجرد أن تستعيد أيونات الليثيوم قدرتها على الحركة بسهولة، تنخفض المقاومة الداخلية، ويستقر الجهد، وتعود نسبة شحن البطارية إلى مستوى مقارب جدًا لما كانت عليه سابقًا.
درجات حرارة التشغيل الموصى بها
يُصمم صانعو الأجهزة التركيب الكيميائي للبطاريات ليتلاءم مع النطاقات الحرارية المريحة للإنسان. ووفقًا للإرشادات الرسمية لشركة أبل (Apple)، تعمل أجهزة مثل آيفون (iPhone) وآيباد (iPad) وساعة أبل (Apple Watch) بأفضل كفاءة في درجات حرارة محيطة تتراوح بين 0°C و35°C (أي بين 32°F و95°F).
وفي حين قد يؤدي التعرض لحرارة مفرطة إلى تدهور دائم في قدرة البطارية التخزينية، فإن انطفاءها بفعل البرودة ليس سوى عارض مؤقت تمامًا. ويظل الاحتفاظ بهاتفك في جيب داخلي ملاصق لحرارة جسدك في أيام الشتاء القارسة أسهل وسيلة لضمان استمرار تدفق أيونات الليثيوم بسلاسة.
