عندما تشغّل مكيّف الهواء في ظهيرة يوم صيفي حار، يتدفق تيار منعش من الهواء البارد إلى غرفتك، فيخيّل إليك أن الجهاز يصنع هذا الهواء البارد بنفسه. غير أن قوانين الفيزياء تؤكد أن البرودة ليست مادة فيزيائية قائمة بذاتها يمكن توليدها، بل هي ببساطة غياب الحرارة. فمكيّف الهواء لا يخلق البرودة، وإنما يعمل أشبه بإسفنجة حرارية تمتص الحرارة من داخل منزلك وتطردها إلى الخارج.
سائل يغلي داخل أنابيب نحاسية
تعتمد عملية التبريد على دورة مغلقة من أنابيب النحاس، يجري بداخلها مركب كيميائي متخصص يُعرف باسم وسيط التبريد (Refrigerant).
وداخل المنزل، يدخل وسيط التبريد إلى ملف المبخر الداخلي (Indoor Evaporator Coil) في صورة سائل بارد منخفض الضغط. وفي الوقت نفسه، تسحب مروحة دافعة هواء الغرفة الدافئ والرطب وتمرره فوق السطح الخارجي للزعانف النحاسية الباردة.
ولأن الطاقة الحرارية تنتقل تلقائياً من الأجسام الأكثر دفئاً إلى الأبرد، تنتقل حرارة الغرفة إلى المعدن الأكثر برودة، ومنه مباشرة إلى وسيط التبريد. ويتميز وسيط التبريد بنقطة غليان شديدة الانخفاض؛ لذا فإن امتصاصه لحرارة الغرفة يجعله يغلي سريعاً ليتحول إلى غاز بارد. ومع فقدان هواء الغرفة لحرارته تنخفض درجة حرارته، فتعيد المروحة ضخ هذا الهواء المبرّد إلى أرجاء المكان.
طرد الحرارة إلى الشارع
ينتقل وسيط التبريد الغازي بعد أن تحمّل بحرارة الغرفة عبر أنابيب معزولة إلى الوحدة الخارجية.
وهناك، يضغط الضاغط الكهربائي (Compressor) غاز التبريد بقوة. يؤدي هذا الضغط الشديد إلى تقارب جزيئات الغاز، مما يرفع ضغطه ودرجة حرارته بصورة حادة حتى يصبح أسخن من الهواء الخارجي المحيط.
يتدفق هذا الغاز شديد السخونة بعد ذلك إلى ملف المكثف (Condenser Coil)، حيث تسحب مروحة خارجية كبيرة هواء البيئة المحيطة وتمرره عبر الأنابيب. ونظراً لأن وسيط التبريد أشد حرارة من جو الشارع الصيفي، تشع الحرارة وتتبدد في الهواء الطلق. ومع فقدانه لتلك الحرارة، يتكثف وسيط التبريد ليعود إلى صورة سائل عالي الضغط، ثم يمر عبر صمام تمدد (expansion valve) لينخفض ضغطه، قبل أن يعود إلى الداخل لتتكرر الدورة من جديد.
ابتكار من أجل الورق لا البشر
لم يُبتكر تكييف الهواء الحديث في الأصل لراحة البشر؛ ففي عام 1902، صنع المهندس الأمريكي ويليس كاريير (Willis Carrier) أول وحدة كهربائية لتكييف الهواء لصالح شركة «ساكيت-ويلهلمز للطباعة الحجرية والنشر» (Sackett-Wilhelms Lithographing and Publishing Company) في بروكلين بمدينة نيويورك.
فخلال أشهر الصيف، كانت الرطوبة الشديدة تؤدي إلى تمدد الورق وانكماشه بين دورات الطباعة المتعاقبة، مما كان يتسبب في خلل محاذاة الألوان وإتلاف مطبوعات ملونة باهظة التكلفة. نجحت آلة كاريير في ضبط الرطوبة الداخلية عن طريق تبريد الهواء وتكثيف بخار الماء العالق به، مما حفظ استقرار أبعاد الورق وثباته. أما استخدام التبريد لراحة البشر في دور السينما والمتاجر والمنازل، فلم يظهر إلا بعد ذلك بعقود.
البصمة العالمية لاستهلاك الطاقة
تتطلب عملية ضخ الحرارة إلى الخارج قدراً هائلاً من الطاقة الكهربائية؛ إذ تفيد بيانات وكالة الطاقة الدولية (International Energy Agency - IEA) بأن مكيفات الهواء والمراوح الكهربائية تستهلك قرابة 20% من إجمالي الكهرباء المستخدمة في المباني حول العالم. ومع تنامي الطلب العالمي على التبريد، أصبح تطوير ضواغط أعلى كفاءة في استهلاك الطاقة وابتكار وسائط تبريد صديقة للبيئة أولوية هندسية كبرى.
