في قلب روما التاريخي، يقف صرح البانثيون (Pantheon) المعماري الذي اكتمل بناؤه بين عامي 123 و128 للميلاد في عهد الإمبراطور هادريان (Hadrian). واليوم، بعد قرابة 2000 عام، لا تزال قبته الهائلة متماسكة تماماً دون أي قضيب دعم معدني في داخلها، لتحتفظ حتى الآن برقمها القياسي العالمي بوصفها أضخم قبة خرسانية غير مسلحة (unreinforced concrete dome) على وجه الأرض.

درس بليغ في الهندسة

تُشكّل النسب الداخلية للبانثيون كرة هندسية متكاملة؛ إذ يبلغ قطر القبة 43.3 متراً (نحو 142 قدماً)، وهو ما يتطابق تماماً مع المسافة الرأسية الفاصلة بين أرضيتها الرخامية وفتحة السقف المركزية.

وقد مثّل تشييد سقف خرساني بهذا الحجم دون تدعيم بالصلب تحدياً فيزيائياً هائلاً؛ فآلاف الأطنان من الخرسانة تولّد قوة دفع جانبية (lateral thrust) متجهة نحو الخارج، يمكن أن تدفع الجدران الحاملة إلى التباعد.

ولتفادي الانهيار الإنشائي، صمّم المعماريون الرومان جدران القاعة الدائرية الحاملة (rotunda) بسماكة استثنائية عند القاعدة تتجاوز 6 أمتار (نحو 20 قدماً). ومع صعود القبة باتجاه المركز، تتناقص السماكة تناقصاً حاداً لتصل إلى 1.2 متر فقط (نحو 4 أقدام) بالقرب من الحافة العلوية. كما فرّغ البناؤون 140 تجويفاً مربعاً غائراً (coffers) في باطن السقف، مما أزال وزناً كبيراً دون المساس بالمتانة الإنشائية.

تخفيف وزن الحجارة

جمعت الخرسانة الرومانية، المعروفة باسم opus caementicium، بين ملاط الرماد البركاني وقطع صخرية تُعرف بالركام (aggregates). وقد حرص البناؤون الرومان على تدريج كثافة هذا الركام بعناية فائقة من الأسفل إلى الأعلى.

ففي المستويات الدنيا والأساسات، استخدموا حجر الترافرتين (travertine) الجيري الكثيف والثقيل. وعند منتصف المنحنى، تحولوا إلى صخور الطُّف البركاني (volcanic tuff) الأخف وزناً. أما حول فتحة العين المركزية (oculus) البالغ قطرها 9 أمتار في قمة القبة، فقد استخدموا صخور السكوريا (scoria) البركانية المسامية وحجر الخفاف (pumice)—وهي صخور مهواة تملؤها جيوب غازية محتبسة. وبهذا التخفيف الممنهج لوزن المواد صعوداً نحو القمة، قلّص المهندسون حمل الجاذبية الضاغط على الهيكل السفلي إلى أدنى حد ممكن.

خرسانة ذاتية الالتئام

على مدى قرون، ظل صمود المنشآت والمباني البحرية الرومانية القديمة لغزاً حيّر المهندسين المعاصرين، لا سيما أنها عمّرت أطول بكثير من الخرسانة الحديثة، التي غالباً ما تتشقق وتتآكل في غضون عقود قليلة. غير أن باحثين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالتعاون مع شركاء دوليين كشفوا السر وراء ذلك عام 2023 في دورية Science Advances.

تحتوي الخرسانة الرومانية القديمة على كتل معدنية بيضاء دقيقة بحجم المليمتر تُعرف باسم الفتات الجيري (lime clasts). وعوضاً عن كونها دليلاً على سوء الخلط، تبيّن أن هذه الكتل تشكّلت نتيجة خلط الرومان للجير الحي (quicklime) —أي أكسيد الكالسيوم (calcium oxide)— في درجات حرارة مرتفعة.

وحين تتشكل شقوق مجهرية في الخرسانة على مر القرون، تتسرب مياه الأمطار داخلها وتذيب الكالسيوم من كتل الفتات الجيري المدمجة فيها. بعد ذلك، يتفاعل الماء المشبع بالكالسيوم مع ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء، ليعاد تبلوره في صورة كربونات الكالسيوم (calcium carbonate) أو الكالسيت (calcite)، مما يسد الشقوق بفاعلية تامة. وقد أظهرت الاختبارات المعملية التئام تلك الشقوق ذاتياً في غضون أسبوعين.

صُمم ليصمد

بفضل الهندسة الذكية، والتدرج المدروس في كثافة المواد، والتفاعلات الكيميائية ذاتية الالتئام، شيّد البناؤون الرومان صرحاً صمد أمام الزلازل، وعوامل الطقس، وعوادي الزمن على مدار ألفيتين.